طه عبد الرحمن

49

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

أ . ليس الغرض من الخبر في الدين تبليغ معلوم معين بقدر ما هو الحث على الاعتبار بهذا المعلوم ، أي ليس هو الدلالة على الشيء في ذاته بقدر ما هو الاستدلال بهذا الشيء على ما سواه ، أو قل بإيجاز ، إن الخبر الديني هو آية قبل أن يكون حكاية ؛ ومقتضى الآية أنها علامة معناها لا يبحث عنه في صيغة القول ، وإنما يبحث عنه في مراد القائل منه ، وقد يطابق هذا المراد صيغة القول أو لا يطابقها ، إلا أن البحث في المراد ، على ضرورته وفائدته ، لا يكفي في أن تستحق العلامة تمام رتبة الآية ، بل ينبغي أن يبحث عن المعنى أيضا في دلالة هذا القول على قائله ، بحيث كلما كان المعنى المستنبط من القول دالا على القائل ، كان أقرب إلى مراد هذا القائل ؛ وعلى هذا ، فإن الدلالة على القائل في الآية هي الأصل في فهم المراد منها ؛ وإذا كان القائل هو أسمى قائل كما هو الأمر هنا ، فلا أبلغ في فهم مراده من تبين دلالة القول عليه ، ولا أنأى عن فهم هذا المراد من عدم تبيّن هذه الدلالة أو نسيانها أو صرفها ؛ ولما كان أنه لا قيمة تعلو على هذا القائل الأسمى ، كان خبره يخبر عنه بقدر ما يخبر عن مراده ، أو باختصار ، كان خبره لا يفارق قيمته . ب . أن الخبر الديني ليس خبرا علميا ، وإنما هو خبر عملي ، ذلك أن الدين لم يأت لكي يعلّم الناس ما يمكن أن يدركوه بآلاتهم وقدراتهم المختلفة التي خلقوا بها ، ولا أتى على نسق نظرية علمية ، حتى يمكن أن تجرى عليها وسائل التحقيق المعلومة كما ظن بعضهم ، وإنما أتى لكي يرشد الخلق إلى الطريق التي ينبغي أن يوجهوا بها عمل هذه الآلات والقدرات الإنسانية ، حتى يستطيعوا أن يحيوا حياة طيبة في العاجل وحياة سعيدة في الآجل ، وذلك لأن هذه الآلات والقدرات المختلفة ، بالنظر إلى ذاتها ، يجوز أن تطرّق كل أبواب الإمكان وتأخذ في ممارستها كل اتجاه ، إذ ليس لها من ذاتها ما يحملها على فعل هذا بعينه أو فعل هذا دون فعل ضده ، بحيث قد تصنع المضار صنعها للمنافع ولا تبالي ، بل لا تهتدي من نفسها إلى تمييز الضار من النافع ؛ ولا مطمع في توجيهها إلا بتعيين جملة من القيم التي ينبغي لها أن تطلبها ، وهي التي يتولى الخبر الديني الإعلام بها أو الإشارة إليها ، فإذن لا خبر في الدين بمعزل عن قيمة قريبة أو بعيدة . ج . أن القيمة الخلقية ليست مصاحبة للخبر الديني فحسب ، بل هي متفرعة عليه ، فلو لا هذا الخبر الخاص ، لما كانت ثمة قيمة خلقية ؛ ليس يهم أن نبحث في